Devil’s Paradise

 

  • لقد تعبت ولم أعد قادرا على العدو وتخطي هذه التلال والجبال التي تحد الأرض من كل إتجاه..أما لديك وسيلة أخرى للبقاء في هذه الأرض الطيبة، التي تجري عليها جداول الانهار في كل إتجاه..ويكسو أرضها العشب والخضرة كسجاد أعجمي مزركش؟.. وثمار التفاح وسائر الفواكه الزكية مبعثرة فوق الأرض.. والجو الجميل الذي ينعش الروح ويحيي الحي في سعيه لأسعاد الحياة.. وهوائها النقي الطري..
  • تعال نجلس هنية..
  • شكرا والدي العزيز على هذه الاستراحة الطيبة بعد عناء وشقاء في الركض..
  • كل ذلك من أجل مستقبلك.. فلا تكن عجولا.. الصبر على المتاعب من ورائه النجاح والفلاح..
  • لكن لماذا لا تعيد المحاولة مرة ومرات حتى نصل لغاياتنا؟..
  • إن ما يقلقني عليك يا بني أنك تركن للراحة والدعة وتترك المهام الجسام..
  • لو أنني كذلك والدي لما طلبت منك إعادة المحاولة؟.
  • أعلم أنك دؤوب على عملك لكن للأسف يا بني فيما لا طائل من وراءه.. وهذا الذي يقلقني عليك ويقض مضجعي..
  • ماذا تقصد والدي من وراء تسفيهي في كل محاورة؟..
  • أقصد أنك لا تستشف المستقبل ولا تدور إلا في الحلقات المفرغة..

ثم يشير الأب بيده للمشهد كي يقنع ابنه الصغير بما يفكر فيه:

“يعود الملك من حرب قادها ضد غزاة أجتاحوا البقاع وحاولوا استعباد أهل البلاد.. وفي تلك الأثناء انبرى هو وولده الشاب في دعوة الناس للاحتفال بالملك المظفر.. والناس عازفون عن دعوته، رغم أنه ظهر لهم بمظهر الرجل الصالح الذي يدعو الناس للاحتشاد عرفان بالجميل الذي أسداه مليكهم لهم بصد غارات الغزاة.. يقول غالبية من دعاهم للمشاركة في الاحتشاد:

  • إن الملك لم يقم بأكثر من مسئوليته في حماية البلاد وصد غارات المعتدين، فلماذا الاحتشاد شكرا له على مهمة هي مسئوليته؟!..

ولما فشل في جمع الناس للاحتشاد أحتفالا بالملك المظفر، إنبرى يغني ويرقص أمام قصر الملك بصحبة ولده الشاب.. ولم يمض وقت طويل حتى تجمع الناس من حوله يستمعون لأغانيه وما ينشد من شعر على سبيل التسلية.. ولما رأي الملك هذا الحشد من الناس أمام قصره، ارتدى حلة القتال المزركشة، وامتطى جواده الأبيض، وخرج يلوح بسيفه البراق للجمهور الذي ظن أنه احتشد من أجل تحيته.. وظل يمتدح الملك حتى بدأ الملك ينسجم مع ما يقول فيه، فأخذت هيئته تتغير رويدا رويدا، وبدأ كتفه يسيتدير ورقبته تنتفخ، ووعيناه تترفعان عن النظر لهذا الحشد الذي يقف أمامه.. عندئذ أدرك أنه في طريق النجاح، فتسلل في راس الملك يجري عمليته الجراحية البسيطة، والتي يحول من خلالها مجرى الكلام ليخرج من الأنف بدلا من الفم، دون حدوث نزيف محسوس.. ثم راح يستكمل مديح الملك والناس لا تعيره إهتماما حتى قال:

  • وما أنت إلا سيد..
  • وما نحن إلا عبيد..

فهاج الجمع وماج، والتقط كل واحد من المحتشدين ما وقعت عليه يده من بيض فاسد أو طماطم فاسدة أو قاذورات وقذفوا بها الملك. وانقلب العرس الذي أقامه لمأتم.. فانزعج الحصان وانتفض وألقى بالملك على الأرض وداسه بحوافره.. وغاص مع الملك في لجه من القاذورات”..

وما أن أغلق المشهد حتى وضع وجهه بين يديه ونظر في الأرض نظرة الحسرة، لكن ابنه أخرجه من صمته:

  • ولما تعيد هذا المشهد القاسي والدي؟..
  • كي تعتبر ولا تفكر ثانية في البقاء في هذه الأرض التي يعجبك هواءها وجداولها وعشبها..
  • ولماذا لا نبقى هنا ونكف عن تحريض الناس على الكبر والخيلاء..

ينظر في وحه ابنه نظرة استخفاف، ثم يخف في السعي.. وتمضي أيام وشهور، ينفطع العمران ويعود، وهما هائمان على وجهيهما، وقبل أن يدب اليأس في تفس الفتى ويتمرد على أبيه ويقرر العودة ثانية ليستقر في البلاد التي تركها والده، تبدو أسراب الغربان تطير فوق بحر من الرمال.. فيتيقن الأب أن شيئا ما يعيش في جوف هذه الرمال.. هنا تنبسط أساريره ويقول لابنه:

  • أنظر.. أنظر..
  • نعم.. إنه رجل يصعد من ذلك المنخفض الذي تحوم فوقه الغربان.. إنه قادم نحونا..
  • إن ما يدهشني هذا اليمام الذي يصحبه كسحابة بيضاء تحول بينه وبين أشعة الشمس الحارقة..
  • ومن أين هذا اليمام، ولا يوجد في سماء المنخفض سوى الغربان، بماذا تفسر هذا والدي؟!..
  • لا أدري.. لكن سوف نستوقفه ونسبر أغواره..

ينتظر الأب حتى يقترب منه الرجل فييبادره بالتحية.. يستوقفه ليسأل:

  • إلي أين أيها الرجل الطيب؟!..
  • إلي الأرض التي أتيت منها..
  • وكيف عرفت من أي أرض أتيت؟!..
  • صورة الأرض التي نبتنا منها مطبوعة على سماهنا..
  • صدقت أيها الرجل الحكيم..
  • زيارة أم تجارة؟!..
  • بل إقامة واستقرار..
  • أتترك أرض أجدادك لأرض جديدة..
  • الأرض لمن يعمرها..
  • ولماذا لا تعمر هذه الأرض؟!..
  • فلحت فيها قدر طاقتي..
  • وما الذي يدعوك لتركها؟!..
  • أنفقت جل عمرى أفلح أرضا عقيما.. لا تنبت سوى الشوك والحامول والعليق..
  • يبدو أن وراءك حكاية طويلة..
  • بل هي قصيرة..
  • وما هي؟!..
  • رغبتي لا تتوافقك ورغبات أهلها..
  • وما هي؟!..
  • حرمان الناس مما يطيب لهم..

يظهر علامات الامتعاض كي لا يظهر للرجل سعادته بما يسمع:

  • أظنك ستصبح سيدا في الأرض التي تحل بها؟..
  • لا أريد إلا أن أكون إنسانا..
  • وهل هذا عصي هنا؟!..
  • ستعرف بنفسك..
  • ولكن لماذا؟!..
  • لا تسألني فإنا لست عالما في خبايا النفوس..
  • لكنك عارف بخبايا الأرض وثرواتها المكنونة؟!..
  • هذا علم تعلمناه ونجتهد فيه..
  • الذي يعرف طبيعة الأحجار يعرف النفوس التي نبتت عليها؟..
  • لا اشغل بالي بما لا يعنيني..
  • ولو من باب الحيطة..
  • ما بين الحيطة واللئوم شعره، وأخشى الوقوع في المحظور..
  • وتترك نفسك هكذا..
  • لي رب يعرف الأسرار، ويدبر لي أمري فيما لا أعرف من خبايا النفوس الماكرة..

ويمضى الرجل في طريقه بتؤدة واطمئنان.. وتعود أسراب اليمام التي فارقت راسه فيما كان يحاوره أبليس تتجمع في السماء لتقيه شر أشغة الشمس الحارقة.. بينما ببتسم أبليس وهو يتجه نحو أبنه:

  • أظنك عرفت الهدف من وراء رحلتنا؟!..
  • لا.. لم أعرف شيئا من وراء جرجرتي لتلك البقاع التي لا تحتاج وجودنا من الأساس..
  • تقصد أنها ليست في جاجة إلينا؟!..
  • نعم..
  • إنها واحتنا..
  • وما هي مهمتنا؟!..
  • أن لا يزيد عدد مثل أولئك الحكماء….
Advertisements

فكرتان اثنتان على ”Devil’s Paradise

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s