طوبى للمخدوعين: إن أكثر المخدوعين لهم أطيب الناس قلوبا وأنقاهم سريرة وأصفاهم نفوسا

قد يحزن إنسان لأن أحدا من الناس استطاع أن يخدعه، ويأخذ منه شيئا بطريق الخداع والتضليل. ولكن الحقيقة أن الذي يجب عليه أن يحزن هو الخادع لأنه كذب على الإنسان الذي أعطى له ما لا يستحق. وحيث أن الخادع من أصحاب النفوس الشريرة فلا يعرف الحزن لقلبه سبيلا. فالحزن شعور إنساني نبيل. فيكون الحزن من نصيب المخدوع لأنه أرق شعورا من الآخرين. وفي ظني أن المخدوع لا يحزن لنفسه، بل يحزن على الخادع، الذي مرضت نفسه ومات ضميره، فاتخذ خداع الناس سبيلا للحصول على مأربه. فالخادع عادة ما لا يملك ما يملك المخدوع. وما حزن المخدوع إلا على ضعف الآخرين وحاجتهم لما يملك من أسباب القوة.

المخدوع هو من يضعف أمام ضعف الناس وحاجتهم. قد يظن الخادع أنه الأذكى، وأن ذكائه هو الذي مكنه من خداع الأخرين. وهذا شعور خادع وإحساس كاذب. فالمخدوع عادة ما يكون إنسان نقي السريرة صافي النفس طيب القلب. يصدق ما يقال له، لأنه لو تحدث هو يكون صادقا. ومن ثم فهو لا يصدق إن يقول إنسان إلا الصدق. ولا يصدق أن يطلب إنسان شيئا إلا إذا كان في حاجة حقيقية إليه. فالذي يمد يده للآخرين- في نظر المخدوع- لا يمد يده إلا إذا كانت حاجته للأخرين حقيقية. لا يعلم طيب القلب ونقي السريرة وصافي النفس أن يتملق الناس ويلهج لسانه بالثناء عليهم كذبا وخداعا. ولا يعرف أن ينكر المعروف إلا جاحد. والجاحد بعيد عن تفكير طيب القلب ونقي السريرة وصافي النفس. قد يسمع عن الجاحدين، لكنه لا يصدق أنهم حقيقة واقعة يمكن أن يعايشها، ولا يمكن أن يقع في براثنها يوما. ومع ذلك وعندما يكتشف وجودها يكون حزنه عليها لا على نفسه. فحزنه يكون على نفس بشرية ضاعت في الهوان والتردي، فأتخذت الخداع سبيلا…….

 

الحرمان من حرية الفكر يسقط الامبراطوريات الكبرى: رؤية المفكر الكبير دكتور محمد حسين كامل

Source: الحرمان من حرية الفكر يسقط الامبراطوريات الكبرى: رؤية المفكر الكبير دكتور محمد حسين كامل

داخل الغول

يشير فأضبط هندامي ، وأقف متماسكا في حضرته .. يدخل فأهرول في ذيله ، هابطـا درج المسرح الروماني الكبير ، الذي أعيد افتتاحه للتو ، بعد سنوات كثيرة من العمل المضني ، أنفقت على رفع ركام القرون ، وطلائه باللون الأبيض .. يستوي على كرسيه المجنح الكبير، ويشحذ عينين حمراوين ، خلف منظار أخضر زمردي .. يطلق صيحته الرهيبـة :

فاصل التسلية ..

***

مزيج من كائنات بلا ملامح ، تتناحر في قاع المسرح .. شلالات الدم المراق تنساب ، وتتجمع ، فيتعالى الكرسي فوق كل الهامات ، على نغمات عزف صاخب .. يصيح صيحة النصر ، فيسدل الستار ثم يرفع ..

***

تتدلى ثابتة ..

قدماها في وجوه الحضور .. تعتلى شفتيها ابتسامة عـزة وكبرياء .. نظرتها تشمل الأرض والسماء معا .. 

يراقب نظراتي الحبيسة بين الصاري وبين الحضور ، فيرميني بنظرة خاطفة ، ويقود طرف عينه عينيي نحو المشهد .. أشحذ بصري .. أرفع عينيي .. أخر مداهما أصابع قدميها ..

يأمر بالشراب .. تتردد يدي بين الأيدي المرتجفة ، تبحث عن فضل شراب في كأس منسي..

***

تسقط نظرة علىّ ، فأشعر بقبضة قوية تخسف بي .. ألملم شتات قواي الخائرة ، واختلس نظرة من الوجوه الملطخة بالدماء حولي .. أسر أن أحدا لا يرقبني ، فأفتش  في نفسي :

أي شيء يشي بي ؟.. أبقايا لم تمحى بعد من لون بشرتي ، أم حروف من لغتي القديمة ، تتسرب بين كلمات لغتي الجديدة ؟!..

أراجعها :

لماذا تنظرين إلىّ ؟..

أبحث في خلاياك عن شيء ما ..

أ وجدته ؟..

تتحول بلا إجابة ..

******

توقف نظرة على الكبير ، فيبدو سعيدا مغتبطا .. يفرج الشعر الكثيف عن عينيه ، ويدفق الكأس مرة واحدة في جوفه ..

*****

تتصارع بداخلي متناقضات ..

أعجز عن رسم الابتسامة ..

تتمرد الكلمات على لساني :

أخيرا ؟..

تهز رأسها نافرة ..

لماذا إذن تنظرين إليه ؟ ..

أبحث عن إنسان ..

أصرخ : داخل الغول ..